عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

179

اللباب في علوم الكتاب

واعلم أنّ الاضطرار ليس من فعل المكلّف ؛ حتى يقال : إنّه لا إثم عليه ، فلا بدّ من إضمار ، والتقدير : « فمن اضطرّ ، فأكل ، فلا إثم عليه » ونظيره : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] ، فحذف « فأفطر » ، وقوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ [ البقرة : 196 ] وإنما جاز الحذف ؛ لعلم المخاطب به ، ودلالة الخطاب عليه . والبغي : أصله في اللغة الفساد . قال الأصمعيّ : يقال : بغى الجرح بغيا : إذا بدأ في الفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها ، والبغي : الظلم ، والخروج عن الإنصاف ؛ ومنه قوله تبارك وتعالى وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [ الشورى : 39 ] وأصل العدوان : الظّلم ، ومجاوزة الحد . فصل [ في اختلافهم في معنى قوله « غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » ] اختلفوا في معنى قوله « غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » فقال بعضهم « 1 » : « غير باغ » أي غير خارج على السّلطان ، و « لا عاد » أي : متعدّ بسفره ، أعني : عاص بأن خرج لقطع الطّريق ، والفساد في الأرض ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد « 2 » بن جبير . وقالوا : لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة ، إذا اضطر إليها ، ولا أن يترخّص في السّفر بشيء من الرّخص ؛ حتى يتوب ، وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان راجعان إلى الأكل ، واختلفوا في معناه . فقال الحسن ، وقتادة ، والرّبيع ، ومجاهد ، وابن زيد : أي : يأكل من غير ضرورة « 3 » أي : بغي في أكله « ولا عاد » ، أي : ولا يعدو لشبعه . وقيل : « غير باغ » أي : غير طالبها ، وهو يجد غيرها ، « ولا عاد » ، أي : غير متعدّ ما حد له ، فيأكل حتّى يشبع ، ولكن يأكل ما يسدّ رمقه « 4 » . وقال مقاتل : « غير باغ » أي : مستحلّ لها ، « ولا عاد » أي : يتزوّد منها ، وقيل : « غير باغ » ، أي : مجاوز للحدّ الذي أحلّ له ، « ولا عاد » ، أي : لا يقصّر فيما أبيح له فيدعه . قال مسروق : من اضطرّ إلى الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، فلم يأكل ، ولم يقرب ، حتى مات ، دخل النّار . وقال سهل بن عبد اللّه : « غير باغ » : مفارق للجماعة ، « ولا عاد » ، أي : ولا مبتدع مخالف السنة ، ولم يرخّص للمبتدع تناول المحرّم عند الضرورة . فإن قيل : الأكل في تلك الحالة واجب ، وقوله : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » أيضا يفيد الإباحة ،

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 140 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 140 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 141 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 141 .